في دمشق، يجتاحكِ الحنين مرّةً واحدة. كأنّه المطر. كأنّما غيمةٌ كبيرةٌ من شوق، تكاثفت، وتكاثفت، ثمّ تكاثفت أكثر وأكثر، وهطلت دفعةً واحدة. مطراً من حنين، بلّلكِ حتّى نخاع العظم. نعم. يبلّلكِ حتّى النخاع. فتتنفّسين حنيناً. وتتكلّمين حنيناً. ولا تري الموجودات إلاّ بعين الحنين. وإن انكسرت الصّورةُ قليلاً وانحرفت عن حقيقتها بفعل ماء الحنين ذاك.
هي المدينةُ، والأبوابُ لعبَتُها. لا تسأمُ المدينَةُ من مراقبة اللاعبين يدخولون، دون علمٍ بمصيرٍ أو مآل، ويخرجون بإذن المدينة – إن أذِنَتْ – على وعد العودة، يقطعونه بكل رضى وتسليم. هي المدينة، غابةٌ من الأبواب، تفتَحُها وتغلقها، كيفما شاءت. في حركةٍ دائمةٍ، لا تتركُ للاّعبين سوى تحيّن الفرص للدّخول والخروج، في محاولاتٍ تبوءُ معظمها بالفشل اللذيذ. هي المدينة، وفي مدينةٍ كـ “دمشق” تُفتَحُ الأبوابُ، وتُغلَقُ للدخول والخروج في آن. ذلك أنّ الدخولَ إلى دمشق، يعني التورّط بحبٍّ أزليٍّ، وأبدي. والخروج، هو بالضرورةِ عودة. لإنّ كلُّ خارجٍ من دمشق، تحمّله المدينة عند خروجه باباً، يذكّره بضرورة الدّخول مرّةً أخرى. لذلك قد تري “باب الصغير” عند قوس النصر في (باريس). وقد تدخلين مرّةً من “باب توما” إذا مررت بكنيسةٍ ما في (روما). وقد تلاحظين أنّ “باب شرقي” يتربّع على (سور الصّين العظيم).
بحرٌ من الأبواب، وأمواجٌ من حنين. تتقاذفُك لتختبري الشّخصي والذّاتي، وتختبري الشّائع. ثمّ لتختبري الخصوصي والعمومي. ولتختبري السّرّيّ والعلني. ولتختبري الحرّيّة وما قد يقيّدها. وتختبري كيف تكون الحرّيّة، في أحد أشكالها، التزامْ.
هي دربٌ طويلةٌ. أخشى أنّها ليست بالمطلق دربٌ للآلام. إنّما هيَ، وكسائر الدّروب البشريّة أينما وُجدت، فيها الكثيرُ من الآلام.
والآلام، بهذا المعنى، ليست شرٌّ بالمطلق. هي بالضّرورة، ومن خلال معاناتها، اكتسابٌ لخبرةٍ علّها تفيد. كيف لا، ونحن نبدأ حياتَنا بالصّراخ. ونستهلك معظمها بالكفاح لأجل البقاء. أو لأجل سعادةٍ قد تعين على البقاء.
ليس الكلامُ المنطوقُ، ولا حتّى المكتوبُ، هو لغة التواصل الوحيدة بين النّاس هنا. هم يخترعون لغةَ تواصلٍ على قياسهم. على قياس كلّ شيءٍ فيهم. يفصّلونها لتجمع اختلافاتهم. اختلاف تواريخهم وثقافاتهم وأديانهم. لغةٌ مزركشةٌ قلّما تري مثلها في التّاريخ. يلبسونها متى أرادوا. يخلعونها متى أرادوا. هم محكومون بالتّقليد، بقدر ما هم محكومون بالحرّيّة. هم يستطيعون، نعم، هم يستطيعون، وليس هذا ضربٌ من خيال، يستطيعون الإمساكَ بطرفي نقيضٍ متى شاؤوا. ولعلّها جلجلتهم الكبرى. دربَ آلامهم الّتي تفضي دائماً إلى ما اختاروه هم، ولا أحدٌ سواهمْ
إذاً، وهكذا فجأةً، دون مقدّمات، تشعرين بذاك النّقص، يلفّكِ. هذا النقص غير الطارئ على مسيرتك، يفرض نفسه بقوّةٍ على حياتك، اللحظةَ، ويطبع ما حولك بطابعه، فيغدو ما حولك ناقصٌ، أو فلنقل، غير كاملٍ، إن توخّينا الإيجاب في التّعبير. وبالرّغم من أنّك تكتشفين، ودون عناءٍ، أنّ هذا النقص موجود في حياتك دائماً، إلاّ أنّك تكتشفين بالمقابل كيف يلحّ على ذاكرتك، ويولّد أشباهه فيمن حولك.
يتجلّى النقص على صورة حاجته، ويوصف بها. حاجةٌ لهامش أمانٍ يؤمّن الاستمرار. أو لنقل فإنّ الصّراع لمواجهة النّقص قد يكون سبباً في الاستمرار. وحاجةٌ إلى ما يبرّر الرّوابط ويعطي سبباً لوجودها. ويكون رافعةً لعواطفَ كادت تفترُ لفرط ما بُذلَ في سبيلها دون نتاجٍ يبرّرها. وحاجةٌ إلى ما يكفل امتداداتنا. ويرعى مستقبلاً ما كان ليُعرفَ. أو يتمّ التنبّؤ بمآله. والحاجةُ لمرونة كل ما حولنا. من موجودات وأحياء. تمتدّ لتستوعب أطراف النّقائض. والحاجة إلى من يحترم قرارنا ويقبل رفضنا. وأيضاً، الحاجة إلى كلّ الحاجات. قد تكون حاجةً ملحّةً.
حاجاتنا، هي نواقص حياتنا. وتتصارع تلك الحاجات لتفرض إحداها نفسها. ثمّ تعود أخرى وتفرض نفسها. وهكذا تبقين أيّتها العزيزة، أسيرةً لصراع الحاجات ذاك.
… الأبنية، الشّوارع، المحال، الوجوه، الأصوات، جميعها، تلحُّ على ذاكرتكِ، وتثقلها بصورٍ، إنّما تكشف فيما تكشف، ما ينقصك الآن. وتكتشفين، أيتها الغالية، أنّك، وعلى خلاف ما كنت تعتقدين، لم تعتادي على ذلك النّقص. فيبدو أنّ العادة، أو التعوّد، يحصل مع الأشياء، ومع الأشخاص، القريبين منك. فلئن اعتدتِ على وجودهم، وعايشتِ حضورهم، مللت، أو لنقل، افتقدت بهذا الحضور، لذّة الاكتشاف، والجديد. والمفارقة، أنّك وما أن تبتعدي أو يبتعدوا، تشعرين بالنقص الّذي أقصده، وهنا لن يعود حتماً للعادة أو التعوّد أي فعل عليك. أيّتها الغالية، صدّقيني، لن تعتادي أبداً على نقصٍ انتاب حياتك. ستبقين تحنّين كلّما خلوت إلى ذاكرتك. أو خلت ذاكرتك إليك.
… هي عاطفةٌ موصولةٌ ربّما. وربّما عقلٌ جمعيٌّ تعاقد على التفاعل والتعاطف. لا يعرف المرءُ، ولن يعرفَ – حسب اعتقادي – كيف نشأ ومتى… هكذا، وخلال لحظة، يمكن لحدثٍ قد يبعد عنكِ مسافةَ بلد، أن يقترب منك مسافة ألم. بل ويمسَّ جرحكِ، فينزفَ، أو يبرأ الجرح ولو لحين.
لعلّ هذه المدينة، أيّتها الغالية، هي من الأمكنة القليلة، أو لنقل بثقة، من الأمكنة النادرة في العالم، الّتي تجمع كلّ هذا الاختلاف والتنوّع، ومع ذلك يستطيع حدثٌ واحدٌ أن يوحّد ردود الأفعال حياله. ولنقل من أجل الموضوعيّة الّتي لابدّ ستصرخ فيك الآن، لنقل، أن ينال الأغلبيّة… حدثٌ من هذا النوع، قد يفعل ما لم تستطع السّنين ولا الحضارات ولا القوانين أن تفعله، فهو قادرٌ وفي غفلةٍ عنها، جميعها، أن يجمع ما لم تجمعه كلّ القوى على وجه هذه الأرض.. وهو كفيلٌ بوضع كلّ الخلافات جانباً، ولو كان ذلك مؤقّتاً. على أن يكون هو، وهو وحده، مركز الاهتمام. كيف لا، ونادراً أيّتها العزيزة ما يكون مركز اهتمامنا من فعلنا.
هنا، وأقصد على مساحة جرحنا، تُقاس المسافةُ بالألم، وعلى حدوده يكون التأثير. وفريداً، كهذه الأرض، فريداً يكون التعبيرُ، ومميّزاً، إن كان بالرّصاصِ، أو بفردة حذاء، أو بصورةٍ مرفوعة بيد عجوزٍ، قد لا تعرف مكمن الألم. لكنّها تعرف أنّه يمسّها…. ثمّ…. وهكذا، كأنّه لم يكن. يعبرُ الألم.
….. يتبع
